أحمد بن علي القلقشندي

94

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

بطرا ، وحين ذكَّر فلم تنفعه الذّكرى ، وفكَّر فلم يتيسّر لليسرى ، امتثلنا فيه أمر اللَّه تعالى المرتب على قوله * ( فإن بغت إحداهما على الأخرى ) * ( 1 ) فأزمعنا قدعه ( 2 ) ، وأجمعنا ردّه وردعه . وفي أثناء ذلكم وصل إلينا أيضا سلطان الأندلس مستغيثا على النصارى أعداء اللَّه جيرانه على طاغيتهم ، المصرّ على عداوته وعداوتهم ؛ فجهّزنا معه ولدنا عبد الواحد في أربعة آلاف من الأبطال ، وأمددناهم بما كفاهم من الطعام والعدّة والمال ، فأجاز من سبتة إلى الخضراء ( 3 ) عجلا ، ولم يقدّم على منازلة جبل الفتح عملا ، وكان هذا الجبل الخطير شأنه منذ استولى عليه العدوّ قصمه اللَّه في سنة تسع وستين شجا في لهوات أهل العدوتين ، وغصّة لنفوس الساكنين بالجهتين ، لإطلاله عليهما ، وإرساله جوارح جواريه إليهما ، تحطف من رام العبور ببحر الزّقاق ، وما يقرب الملجأ إلى هذا المعقل المستقرّ من اللَّحاق ، فكم أرمل وأيتم ، وأثكل ( 4 ) وأيّم - فأحاطت به العاديات السوابح برّا وبحرا ، وأذاقت من به من أهماج الأعلاج شرّا وحصرا ، إلى أن أسلموا للمسلمين قهرا وقسرا ، ومنح اللَّه حزبه المؤمنين فتحا ونصرا ، وسمع الطاغية الغادر إجابة اللَّه تعالى بأمره ، فطار بما قدر عليه من حشوده وجنوده إلى إغاثته ونصره ، فوصله بعد ثمانية أيام ، من تسليمه للإسلام ، فنزل بخيله ورجله ( 5 ) إزاءه ، وأقسم بمعبوده لا يبرح فناءه ، حتّى يعيد إليه دينه ، أو يلقى منونه دونه ، فأكذب اللَّه زعمه ، وأوهن عزمه ، وأحنث ( 6 ) يمينه ، وأقلع بعد شهرين وأيام مدلجا ، وأسرع العود إلى مستقرّه واسأله كيف نجا ، وكان ذلك سبب إنابته للسّلم وانقياده ، وإجابته لترك ما كان له على أصحاب « غرناطة » من معتاده ، وكانوا يعطونه ما ينيف على الأربعين ألفا من

--> ( 1 ) سورة الحجرات 49 ، الآية 9 . ( 2 ) القدع : الكفّ والمنع . ( 3 ) أي الجزيرة الخضراء ، وهي مدينة أندلسية قريبة من جبل طارق ومتصلة بأعمال شذوته ، وسورها يضرب به ماء البحر . معجم البلدان ( ج 2 ص 136 ) . ( 4 ) يقال : أثكلت المرأة ولدها إذا فقدته . وأيّم الرجل أو المرأة : قتل زوجه أو جعله أيّما . ( 5 ) الرجل : ج راجل ، وهو خلاف الفارس . ( 6 ) أي لم يبرّ فيها ؛ يقال : حنث في يمينه أي أثم ، والحنث : الرجوع في اليمين .